اعلان

 

 

 

لكيلا يعود المسلمون جاهلية آبائهم الأولين- الحلقة السادسة

أو

لكي يعود المسلمون أمة متحضرة

 

محمد سعيد المخزومي

 

التحضر والعنف ثقافتان متناقضتان في الحياة، واحدة تلتزم البناء والأخرى تتهالك في الهدم والدمار، والإسلام دين التحضر، والمبدأ الذي يهتم بالإنسان والإنسانية، وقد تبين من بحوثنا في الحلقات السابقة أن العنف أمر طرأ على الغالب الأعظم من المسلمين بفعل الإرادة الأموية التي سنت فيهم مناهج العنف وزجت بالأمة لأن تمارس أبشع أنواع العنف وسنّوا فيهم سنة التطرف، ووضعوا فيهم مناهج الإرهاب ضد أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم على طول التاريخ  حتى يومنا هذا . وقد سموا ذلك كله بالسنة النبوية زورا وبهتانا، وقد بينا فيما قد سبق أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  حذر من السنة الأموية التي ستعشعش تحت ستار السنة النبوية الشريفة. فخطب أمير المؤمنين عليه السلام على ملأ من الأمة قائلا:

 ( إني سمعت رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" يقول كيف أنتم إذا لبستكم فتنةٌ يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير يجري الناس عليها ويتخذونها سنةً فإذا غير منها شي‏ءٌ قيل قد غيرت السنة) ([1])

 

وبالفعل فقد جاء معاوية والأمويون من بعده وأرسوا قواعد سنة العنف الأموي والثقافة التطرف الدموي التي جاءت تحت غطاء الفكر الإسلامي تارة، وبإدارة علماء لبسوا مسوح الدين تحت عنوان قضاة البلاط  ووعاظ السلاطين وهيئات علماء المسلمين وأجهزة الإفتاء الشرعي وجماعات الأوقاف  الديني ونظائرها قديما وحديثا كثير.

ولكي تعود هذه الأمة أمة وسطا متحضرة تهواها الأمم لتتعلم منها لأمم كما أرادها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وليس تتهالك عليها الأمم لتتوزعها لقمة سائغة فيما بينها، وجب عليها أن تتخلص من مخالب الثقافة الأموية المتلبسة بالفكر المسمى بالفكر الإسلامي الذي بين أيديهم، الأمر الذي يتطلب منهم قصقصة منابع الفكر الأموي الذي يعمل على تغذيتهم بالعنف والتطرف والطائفية .

وهذا يلزمها العودة إلى حقيقة المشروع الحضاري الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وسيكتشفون منه أنه عين السنة النبوية التي جاء لتأصيلها أهل بيته عليهم السلام  وعملوا على تجذيرها في الواقع العملي في الحياة وتعلمها منهم المسلمون من شيعتهم ومواليهم ومن هنا كرههم الأمويون وزجوا الأمة العريضة في نصب العداوة لأهل البيت وشيعتهم على طول التاريخ .

فكانت حقيقة المشروع الحضاري ذاك هو موضوع السر السابع من أسرار منهاج التحضر والانبعاثة الحضارية المرجوة من هذه الأمة، فقلنا في:

 

السرُّ التاسع

أن قطع مصادر التغذية الأموية يكمن في العودة إلى حقيقة مشروع الرسول في الحياة

 

فإذا فهم المسلمون حقيقة المنهج الأموي المتجلية في ثقافة العنف والتفنن في قتل أهل البيت عليهم السلام وملاحقة شيعتهم ومن يحبهم ويواليهم، وقتالهم بكل وسيلة بشعة، وإذا أدركوا أن ما يُصبُّ الآن على رؤوس شيعة  أهل البيت عليهم السلام ليس إلا من نتائج مشروع خططت له الأيادي الأموية وربّت الأجيال عليه، ورسمت له مناهج عنيفة بقصد وضع الأمة في مواجهة مع أهل بيت نبيهم الذين أمر الله ورسوله بطاعتهم واحترامهم وإجلالهم والأخذ منهم وأمر بمودتهم وجعلها فريضة واجبة وجوبا عينيا على كل مسلم ومسلمة.

 

فإذا ما أدركوا أن ذلك العنف كله من نتائج النجاح الباهر للمشروع الأموي في الانتقام من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي أزاحهم من العروش التي كانوا متربعين بها على رقاب الأمة، ومقدرات الإنسانية، والهيمنة على قدسية الديار قبل بزوغ فجر الإسلام.

 

وإذا وفق الله من أدرك هذه الحقائق التاريخية واكتشف المناهج الأموية المظلمة التي اُلقيت عليها مسوح القداسة والدين ونسبتها إلى السنة النبوية، فسيدركون عندئذ أن العنف الذي نجده الآن في العراق وغيره ما هو إلا من معطيات تلك المناهج الأموية التي تعشعشت في فكر المسلمين منذ القرون الغابرة، وتهالك وعاظ السلاطين في تربية الناس عليها، وحرص به طلاب السلطة في تطييف الدين بالعمل على ربط التدين بالعصبية الطائفية ضد أهل البيت، وذلك لصالح تسلطهم على العباد وتدميرهم الثروات والبلاد .

 

وإذا أدرك المسلمون ذلك فسيدركون أن عليهم السعي الحثيث والعمل الدؤوب على قطع مصادر التغذية الأموية ورموز الفكر الدموي العنيف الجاهدة على تحريفهم عن سنة نبيهم، وبها سيصلون إلى أن حقيقة الحياة تكمن في العودة إلى مناهج الرسول ومطالبه في بعث الحياة في الأمة والبشرية معها جمعاء، تلك المناهج التي كان عنوانها: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) ([2]).

 

ذلك لأن الإسلام الذي جاء به رسول الله هو دين الإنسانية الذي أصّلته السنّة النبوية المطهرة وجسدته عمليا في محبة الإنسان واحترام البشر، بل والرأفة حتى بالحيوان بما لم تصل إليه أرقى المدنيات الديمقراطية قديما وحديثا.

وهنا وجب أن نتسائل: ما هي إذن معالم مطالب المشروع الذي عمل عليه رسول صلى الله عليه وآله  وسلم ؟ . 

والجواب على ذلك ما سنسلط عليه الضوء في بحثنا عن السر العاشر من أسرار النهوض الحضاري المنشود فنقول في بحث :

  

السرُّ العاشر

أن حقيقة مطالب الرسول تكمن في المنطلقات الحضارية التالية

 

أن حقيقة مطالب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم  كثيرة لكني اوجزتها في المنطلقات الحضارية التي تمثل المعالم التالية:

المعْلم الأول: الإسلام رسالة علم وتربية وليس جهلا وجاهلية

وهذه حقيقة قرآنية نص عليها كتاب الله وطبقها الرسول الأكرم وأصّل مناهجها أئمة أهل البيت وعملت على خلافها ثقافة السنة الأموية والسيرة السفيانية على طول التاريخ الإسلامي إلى هذا اليوم، وما واقع العراق علينا ببعيد.

وقد قال تعالى عن حضارية هذا الدين وإنسانيته (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) ([3])

فأول كلمة في أول سورة نطق بها الوحي مبلغا بها رسول الله ليعلمها البشرية هي كلمة (إقرأ) بعد البسملة، وأن سورة الرحمن ناطقة بذكر الرحمن الذي علم القران وخلق الإنسان وعلم البشرية البيان ليخرج من الجاهلية إلى الحضارية .

فبدأت السورة بذكر الرحمان ليعلّم الإنسانية الرحمة ويُعلمها انه (الرحمن) ([4]) الذي لم يترك القرآن مجهولا يفسره كلٌ حسب رأيه بل (علّم ) ([5]) نبيه الأكرم حقائق (القرآن) ([6])، وهو الذي( خلق الإنسان) ([7]) فلم يهمله ليعيش وحشا كاسرا في الحياة يتخبط كيف فيها يشاء بل (علمه البيان) ([8]) وفهّمه منطق الحضارة والحياة، ونظّمها له فكان من حكمته أنْ كانت (الشمس والقمر بحسبان) ([9]) محسوب يجريان، فكل العالم له عابد مطيع (والنجم والشجر يسجدان ) ([10]) فخلق كل شيء بنظام وهو بحكته قائم ( والسماء رفعها ) ([11]) بدون عمد بقدرته، وبنى الوجود بدقته ( ووضع الميزان ) ([12])  فيها كيلا يطغي شيء على شيء، ولما خلق البشر لم يتركهم ليكونوا وحوش غاب يقتل بعضهم بعضا، ويأكل فيهم القويُ الشرسُ الآمن المسالمَ، فكانت عدالته حاكمة في كل شيء، وكل شيء بميزان فأمرهم (ألا تطغوا في الميزان ) ([13]) الذي بيّنه الله ووضعه لهم، وإذا كان الله قد أمر الوجود بطاعة والعمل بميزان بحكمته، وقبل الوجودُ ذلك كله من ربه لكونه مخلوقا على غير اختيار، فمن باب الأولى لم يكن ليترك البشر يجور بعضهم على بعض، بل أمرهم أنْ اعدلوا في الحياة (وأقيموا الوزن بالقسط ) ([14]) ونهاهم عن الحيف بأن تحذروا الجور (ولا تخسروا الميزان ) ([15]) لأن الحياة قد خلقها الخالق بميزان (والأرض وضعها للأنام) ([16]) لا ليدمرونها تدميرا ويخربوها على راس الإنسان، بل عمّرها العلي القدير ونوّع فيها كل شيء فكان فيها الخير الذي يحتاج إليه الإنسان وجعل ( فيها فاكهة ) ([17]) كثيرة متنوعة (والنخل ذات الأكمام ) ([18])  (والحب ذو العصف والريحان) ([19]) كل ذلك كي يفهم الإنسان انه لم يكن مخلوقا سدى، ولا لكي يسن لنفسه سننا وقوانين كما يشتهي، بل الذي خلق ورزق هو الذي وضع الموازين الحق، وأمره بطاعته، ومع هذا كله فان الإنسان كفار غشوم تغافل عن أن الله قد نهاه عن الكفر والتمرد، فلا يطغى ولا يشمخ بأنفه ويستكبر، وبعد كل هذا البيان (فبأي آلاء ربكما تكذبان ) ([20]) يا بني الإنسان ؟!

إن هذه السورة الكريمة تبين أول معالم التحضر التي أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الناس بها، ليكون من والواجب على كل من ينتسب إلى سنته العمل بمناهجه في الحضارة والتحضر وليس الهمجية والجاهلية الرعناء.

 

المعْلم الثاني : حياة الناس غاية القرآن وليست القتل والإفساد

وهذه حقيقة غابت عن الكثيرين ممن يدّعون وصلا بالدين، وأنهم أئمة وعلماءاً للمسلمين، فاتبعهم على تدمير البشرية كثير من الغاوين وجموع المفسدين المتعطشين للدم والقتل والهيمنة على الحكم، والسيطرة على رقاب الناس، والإستثراء على طول التاريخ الإنساني التعيس، وقد صرح القرآن الكريم علنا عن حقائقه التي أرادها الله تعالى لإخراج البشرية المعذبة من ظلمات الجهل والقتل والدماء على رحاب الإنسانية والأمن والأمان والحرية وكرامة الإنسان كما في قوله  تعالى: (كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ) ([21])

وهذا ما على خلافه والضد منه ثقافة المتوشحين بثقافة الإسلام الزائف التي تستخدم العنف باسم الدين وتحت شعار الخلافة الإسلامية وما شابه، ذلك لان الخلافة الإسلامية هي خلافة الله في الأرض ولها شروطها وأهلها ومستلزماتها ومن أول شروطها أن تكون منصوبة من قِبل مالك الأمر وهو الله تعالى، وإلا فمن غير المقبول عقلا ولا شرعا أن ينصب الناس لله خليفة من عند أنفسهم، لما في ذلك من فساد للحياة.

ولو صح ذلك في خلافة الله لكان من الأصح أن ينصب كل إنسان للآخر خليفة له في شؤونه ويتصرف بها وبممتلكاته في حال غيابه وسفره أو رحيله أو موته أو غيره.    

 

المعْلم الثالث: عمارة الإنسان والإنسانية

 وبهذا المعلم لن تجد منهجا في الحياة أسمى من منهج الإسلام الذي جعل إحياء إنسان واحد يعادل إحياء البشرية جميعا، وقتل إنسان واحد يعادل قتل البشرية جمعاء، وهذه أسمى قيمة تخلف عنها دعاة الدم وأنصار القتل وشورى الذبح وأعوان الجبارين وأدعياء الديمقراطية المتهادنين مع جزاري الإنسانية، من أجل مآرب سياسية دنيئة وسلطوية رخيصة.

فكان الإسلام داعيا إلى عمارة الإنسان، متسارعا إلى حياة الإنسانية وليس إلى خرابها ودمارها حتى صار (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) وقد بين الإسلام أنها دعوة للعالم يجب الالتزام بها فقال( ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات) ومع ذلك لم يترك القرآن التنويه عن الذين يعيثون في الأرض فسادا ويهلكوا الحرث والنسل فسماهم المسرفين بقوله ( ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون ) ([22])

 

المعْلم الرابع: الاخوة الإسلامية     

وقد رفع الله قيمة الإنسان المؤمن بالله وكتبه ورسالاته وعدّه أخا للمؤمن الآخر فقال (إنما المؤمنون اخوة ) ([23])  وقال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : (رب أخ لم تلده أمك) ([24]) وعلى هذا فقد نهى الله تعالى عن ذبحه وقتله إلا  أن يتجبر أحدهم فيعيث في ارض الفساد بعد أن يُنصب نفسه إماما للفاسقين بمرسوم أميري غاشم، ليفسد فيها ويهلك من يشاء فيعمل على خلاف مبدأ الاخوّة الإسلامية فيعتبره الإسلام مفسدا في الأرض وللمفسدين حكمهم الخاص بهم.

 

المعْلم الخامس: الاخوة الإنسانية

في الوقت الذي رفع الله قيمة الإنسان المؤمن عاليا فقد أصر على رفع قيمة الإنسان الآخر وإن لم يكن مؤمنا فقال ( إلا  أنبئكم لم سمي المؤمن مؤمنا  لإيمانه الناس على أنفسهم وأموالهم إلا  أنبئكم بالمسلم، المسلم من سلم الناس من يده ولسانه ) ([25]) كما في نص الإمام الصادق عليه السلام.

وبناءا على هذا فإن ثقافة السنة الأموية لا تكترث بمؤمن ولا تعتني بغيره، وكل الإنسان عندهم والحذاء سواء. خلافا تعاليم السماء التي أكدت على القيمة الكبرى للإنسان، فهذا أمير المؤمنين عليه السلام يقول في تعليمه البشرية، ومخاطبا المسلمين ومؤكدا معالم السنة النبوية حينما كلّف أحد قادة جيشه إدارة شؤون الناس آمرا إياه في وجوب الاهتمام بالقيمة الحضارية للإنسان فأعلن له دستوره التاريخي بقوله عن الناس ( فانهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نضير لك في الخلق) ([26])

ثم يأتي تأصيل هذا المنهج علميا وعمليا على لسان أئمة الحضارة والتحضر ومنهم الإمام الصادق عليه السلام فيعتبر: (صحبة عشرين سنة قرابة ) ([27])

كما أكد  أهل البيت عليهم السلام على إنسانية السنة النبوية التي اهتمت بالإنسان الذي أوجب أن يكون اجتماعيا بينما العف من ابرز معالم التقاطع والتدابر وقتل الترابط الاجتماعي، وبالتالي فالتمزق الاجتماعي من ابرز معطيات العنف الذي حاربه الإسلام.

والإمام الصادق يؤكد على هذه السنة الإنسانية المطهرة فيقول عن أبيه الإمام الباقر عليهما السلام قال:

(قرأت في كتاب علي (عليه السلام) : أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) كتب بين المهاجرين والأنصار ومن لحق بهم من أهل يثرب أن الجار كالنفس غير مضار ولا آثمٍ و حرمة الجار على الجار كحرمة أمه) ([28])

بينما تجد المسلمين الذين تثقفوا بثقافة العنف الطائفي يقتل الجار جاره والقريب قريبه والصديق صديقه لمجرد التطرف على أساس الهوية الدينية والولاء العقائدي والمحبة لأهل البيت عليهم السلام. وفي ذلك خروج على السنة النبوية التي عرفنا من معالمها إنسانية الإسلام .

 

المعْلم السادس: الخير فيما يصلح الإنسان فقط

لقد حصر الإسلام الخير كله في كل ما يخدم الإنسان ويحترم الإنسانية، فجعل الشر مجتمعا في كل ما يضر بالإنسان ويفسد عليه حياته ويخرب استقراره، حتى بلغ الأمر بالإسلام إلى درجة المنع من النجوى بين اثنين أو جماعتين لتدبير أمر ضد إنسان أو جماعة أخرى، إلا أن تكون تلك النجوى للإصلاح وليس الإضرار بالإنسان والإفساد للمجتمع .

 

كما حرّم تبرير الفساد بمبررات يلقي بها الإنسان مسوح الشرعية والصلاح على فساده، ذلك لأن الله لا يطاع من حيث يعصى، وبذلك فإن الإسلام قد سلب الخير من النجوى إلا في الإصلاح والخير للإنسانية، فقال تعالى ( لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما ) ([29])  فتكون النجوى عندئذ في تدبير ما يفسد على الإنسان حياته ويقتله أو يربك استقراره ومعاشه من ابرز مصاديق ابتغاء غير مرضاة الله تعالى التي تظهر  وزرا عظيما بدل (أجرا عظيما).

 

ومن ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وصاياه لأمير المؤمنين: (يا علي ! لا خير في قول إلا مع الفعل، ولا المنظر إلا مع المخبر، ولا في المال إلا مع الجود، ولا في الصدق إلا مع الوفاء ولا في الفقه إلا مع الورع، ولا في الصدقة إلا مع النية، ولا في الحياة إلا مع الصحة، ولا في الوطن إلا مع الأمن والسرور ) ([30])  فجمع انتفاء وجود الخير قولا وفعلا ، علما وعملا، فكرا وسلوكا إلا بما يصلح الإنسان ويسعد البشرية.

 

وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام على منبر الكوفة لجموع الأمة: (أيها الناس ثلاث لا دين لهم ، لا دين لمن دان بجحود آية من كتاب الله ، ولا دين لمن دان بفرية باطل على الله ، ولا دين لمن دان بطاعة من عصى الله تبارك وتعالى،  ثم قال : أيها الناس لا خير في دين لا تفقه فيه، ولا خير في دنيا لا تدبر فيها، ولا خير في نسك لا ورع فيه) ([31]) .

 

وبهذا فقد نفى الدين والتدين لمن تشربت نفسه بمعصية الله الذي أراد للإنسان العيش في أرضه وفق مناهج الخير والأمان لا مناهج القتل والتدمير والإهلاك والإرهاب والإرعاب، ليكون الأشر من ذلك إذا اقترف تلك الجرائم وتذرع أنه الخليفة لله ولا يريد إلا إقامة الخلافة الإسلامية المزعومة على جماجم البشر، ذلك أنه منهاج قطعي البربرية، حتمي الهمجية، لا يمت إلى الحضارية بصلة، بل إلى الوحشية الضارية.

 

المعْلم السابع: تحريم منع الإنسان دوره في الحياة

وبهذا المَعْلَم  يكون الإسلام قد أسقط شرعية التعامل مع الإنسان بكل ما يشينه وعلى رأس ذلك الظلم السياسي والتجاوز على خصوصياته والتعدي على حيثياته وسلبه فرص العمل ومنعه من أداء أدواره الحيوية في بناء الحياة ومنها منعه وإعاقته والحيلولة دون كافة أنشطته السياسية والثقافية والفكرية والاقتصادية وغيرها، وهذا المعلم لمما يعمل على خلافه كل المتورطين في الشأن السياسي على هذه الأرض إلا من رحم الله.

 

وهذا النوع من الظلم هو الذي سماه القرآن بخس الناس أشيائهم فقال تعالى: ( فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين ) ([32]) 

فاعتبر الإسلام هذا النوع من الظلم في مناهجه نوعا فاحشا من الإفساد في الأرض فقال :(ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) ([33]) لأن الله &